المقريزي
154
المقفى الكبير
الأكدر على عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم « 1 » أن يبعث مراكب في البحر تخالف إلى عيالات أهل الشام [ 218 أ ] وذراريهم . فعقد له يوم قدم السائب بن هشام [ بن كنانة العامريّ ] ، وذلك للنصف من ربيع الأوّل سنة خمس وستّين على خمسة آلاف من الجند أهل الديوان ، كلّهم من لخم وجذام وطوائف من قضاعة ، وفيهم من فلّ جيش نائل بن قيس الذين صاروا إلى مصر بعد قتل مروان ببابل ، وبعث به إلى الفرما ليمنع مروان من المسير . فتوجّه الأكدر في جيشه يوم ثماني عشرة من ربيع الأوّل وسار حتى أتى الفرما ، فلقي بها عروة - رجل من جذام - وكان على طلائع حبيش بن دلجة القينيّ ، وكان حبيش على مقدّمة مروان ، فاقتتلوا ، وبرز عروة للأ [ كدر ] فتطاعنا فقتل الأكدر عروة . وأجمع الجند بمصر على أن يبعثوا بمراكب تخالف أهل الشام إلى منازلهم . فقال عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم : ليس لها غير أبي مصعب - يعني الأكدر - فبعث إليه يأمره بالرجوع إلى مصر ، فاستخلف على جيشه ابن عمّ له يقال له عوف ، ورجع إلى الفسطاط لخمس بقين من ربيع الأوّل . فلمّا قدم مروان بجيشه على عوف انهزم عنهم ودخل الفسطاط من غير قتال . ويقال إنّ مروان كتب إلى شيعته بمصر أن أخلوا لي الطريق - يعني مقام الأكدر بالفرما - فقال كريب بن أبرهة [ الأصبحيّ ] لابن جحدم : لو رددنا الأكدر فوجّهناه في البحر يخالف مروان إلى الشام ؟ فردّه ووجّهه في البحر . فخرج الأكدر في خمسين مركبا لثلاث خلون من ربيع الآخر . فلمّا بلغ مروان مسيره جزع جزعا شديدا خوفا من مخالفتهم إلى عيالهم وبلادهم . فبعث اللّه ريحا على المراكب وقد قربت من سواحل الشام فكسرت بعضها وظفر مروان بمن فيها . وألقى البحر الأكدر في ثلاثة عشر مركبا برشيد ، فصار إلى الفسطاط ، وشهد وقعة الخندق وأيّامه ، وكان رئيسا فيهم ومقدّما على لخم وجذام في قتال مروان . فلمّا غلب مروان على مصر وصالحه أهلها [ بعد أن أمّنهم على جميع ما أحدثوه ] حضر الأكدر مع قومه من [ 221 ب ] لخم فبايع مروان ، ومروان معرض عنه . فأنكر قومه ذلك وقالوا : يا أبا مصعب ، واللّه لقد رأينا لمروان وجها لا يصلح المقام معه في بلده ، فرأيك في الخروج إلى المغرب أو تكون مستخفيا إلى حين خروجه عن مصر ؟ فأبى الأكدر ذلك وقال : ما كنت لأخرج ، ولا أستخفي ، ومهما يصنع بي مروان بعد عهده ومواثيقه ، هل يصنع إلّا القتل ؟ فو اللّه لقد أجلبت على عثمان وسيّرت إليه الجيوش وشركت في قتله بكلّ ما أقدر عليه . وو اللّه لقد فعلت ذلك بمروان فحال القدر عن بلوغ الأمل . ولقد كان معاوية يبعث بعطائي ، وأمر الولاة أن يؤخّروني عن الوفادة إليه خشية أن يتذكّر صنيعي ، ثم ، اللّه الحكم بيننا وهو خير الحاكمين . وجعل مروان يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى في أمر الأكدر : يهمّ بقتله ويخشى العواقب . حتى أجمع على ذلك . فحرّض عليه نفرا من أهل الشام فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنّ الأكدر قتل منّا قتيلا ونحن أولياؤه ، ولم يكن قتله له على معنى الفتنة . فبعث مروان فأحضر الأكدر وهو لا يعلم إلى ما دعي ، فلمّا دخل على مروان وليس معه أحد من
--> ( 1 ) وهو والي مصر لابن الزبير .